تقارير وتحقيقات

أهل السجادة.. السلطة والمريدين.. من يحكم من؟

حلايب نيوز

 

عوالم خفية يقتفيها وينشدها اصحاب الطريق كل بمنهجه في التصوف املاً في الوصول الى أعلى المراتب والدرجات في المسلك الروحي، بيد ان الطرق الصوفية بالسودان تتمتع بسلطة غير مرئية اكسبتها جماهيرية واسعة تمتد للمحيط الدولي والاقليمي، نتج عنها بحسب مراقبون أحزاب قائمة على السلطة الروحية التي تؤسس للتسليم للشيخ وجعله مرجعية لكافة شؤون(المريد) على مختلف مناحي حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
(الجريدة) ومن خلال هذا التحقيق تحاول ان تُجيب على التساؤلات التي وضعتها في حوبة أهل التصوف والتي جاءت على شاكلة من أين تستمد السجادة سلطاتها؟ وما هو مدى هذه السلطة؟ وماهي اسقاطاتها على الفرد والمجتمع؟ وماهي الأدوات والآليات التي يستخدمها أهل الطريق؟ وإلى ماذا تفضي العلاقات المتجذرة ما بين المشايخ والحكومات على اختلافها؟ والى أي مدى تسهم تلك التجمعات الروحية في اصلاح المتغيرات الاجتماعية والحالة السياسية بالبلاد؟
جهة استشارية
ويرى باحثون أن التصوف نمط معرفي له آلياته الخاصة التي توصل المريد الى المعرفة الخفية ، ويقول ابن عربي (نفرغ قلوبنا المتصوفة من النظر الفكري ونجلس مع الحق تعالى بالذكر على بساط الأدب والمراقبة والحضور والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى حتى يكون الحق يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق لما سمعته طبقا لقوله سبحانه ( واتقـوا الله ويعلمكم الله) ،(إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) ، (وقل ربي زدني علما) (علمنـاه مـن لدنا علما) . ويجمع اهل التصوف على ان العلم الصحيح إنما هو ما يقذفه الله في قلب العالم وهو نور إلهي يختص به من يشاء من عباده من ملك ورسـول ونبـي وولي ومؤمن ومن لا كشف له لا علم له.

تأثيرات واسعة
يؤكد الناشط الصوفي محمد الانور الشيخ ادريس ان سلطة السجادة لها تأثير ايجابي على الاتباع والمريدين لان المشايخ يتمتعون بالمحبة والثقة والقبول ،والصوفي بوسطيته واعتداله وبساطته وانفتاحه على الجميع قادر ان يخترق كل الحواجز العرقية والطبقية والثقافية والدينية ما يجعل للمشايخ تأثيرات واسعة وقطع ان لجوء الناس اليهم ينحصر في كونهم جهات استشارية فقط وتابع مكمن الاطمئنان والارتياح والتسليم مرده الثقة والخبرة الطويلة وبهما يتم الارشاد وتلمس (البركة) ، واضاف مهمة المشايخ الاساسية الاصلاح والارشاد والتزكية وتحقيق مصالح العباد بربطهم برب العباد واصلاح النفس و من شأنه اصلاح الفرد وبالتالي اصلاح الاسرة ومن ثم اصلاح المجتمع ، واكد ان من خلال ذلك يصبح المجتمع صالحاً وتزكوياَ وارشادياً ونبه الى أن المجتمع التزكوي هو من صميم وروح الدين.
وفيما يختص بسلطة السجادة على الحكام قال الأنور: (علاقة المشايخ بالحكام علاقة تناصح وارشاد لان المشايخ جزء اصيل من المجتمع ومن واجب الشيخ المرشد المربي العالم توجيه الحاكم بأن يكون صالحا عادلا وحكيما يعمل بما يرضي الله ويراعي مصالح العباد ويعمر البلاد) واعتبر ما يفعله بعض المنسوبين للطرق الصوفية مخالف لمنهج التصوف لان المشايخ ليسوا سياسيين ولا حكام غير ان دورهم ينحصر في التربية والارشاد وتزكية النفس للجميع بما فيهم الحاكم فلا دعم مطلق ولا تأييد مطلق ولا معارضة مطلقة لان ذلك ليس في منهج التصوف ولا في حساباته ، وقال اذا اصاب الحاكم وفعل الفعل الصحيح يجب ان يجد التشجيع والثناء وفي حال اخطأ يجب على المشايخ مناصحته وتوجيه وهذا هو التصوف.
وحول تحول بعض المشايخ لنافذين ومتلقين دافع الانور عن المشايخ بقوله: (غالبية المشايخ لهم انشطه تجارية واعمال وتأسف لمسألة المشايخ عن( من اين لهم هذا) وزاد اذا انصرف الشيخ للعبادة وترك ادارة اعماله صوبت نحوه الاتهامات بالتكسب والتبطل والتعطل وعاد ليؤكد ان عموم المشايخ يعانون في المسائل المادية لكن هنالك ميزات يتميزون بها عن غيرهم خاصة في توظيف المال على قلته ، وغالباً ما يتم توظيفه في نشر برامج الدعوة والدين وتحقيق مقاصد العباد (بالبركة ) وزاد كثير ما يساهم المريدون والاحباب في اقامة الحوليات والندوات وفي ذلك يبتغون الاجر والثواب .

ثورة تصحيحية:
ومن جه دحض الشيخ حمد الريح بن الشيخ محمد الزاهد ابن الشيخ يوسف أبوشرة بسجادة الشيخ حمد النيل مزاعم السلطة المطلقة للمشايخ الذين يتناولون التصوف من وجهة خاطئة، وانتقد من يسلمون امرهم بشكل مطلق للشيخ ، وقال: الشيخ شخص عادي شأنه شأن اي انسان ، لكن الله منحه بعض العلوم الباطنة كعلم الحقيقة ، والدين الاسلامي الذي قال انه ينقسم الى قسمين (علم الشريعة وعلم الحقيقة ) وهما يحتاجان لبحث وتدقيق وتأمل ثم هبة من الله تعالى ودائما ما تكون وفقاً للعطاء في مجال الشريعة ودلل على ذلك بالآية الكريمة (واتيناهم من لدنا علماً) وتابع: هذا علم خاص يهبه الله لمن يشاء وهو غير العلوم المبذولة في القرآن والمذاهب ويعرف بعلم الحقيقة (الظاهر والباطن) واشار الى ان عدد من المشايخ بلغوا شأن من الصلاح والتقوى وحصلوا على مرحلة الشفافية لذلك اصبحوا يتلقون الاشارات العقلية والقلبية من حيث وهبهم الله ، وعاد ليؤكد ان من يعثر على هؤلاء المشايخ يسلم امره لهم لانهم يمنحونه الحقيقة لا الباطل. ومع ذلك لا يوجد امر جازم.
وحول من يسلمون امرهم بشكل مطلق وبتبعية عمياء للشيخ دون ارشاد او توجيه من الشيخ نفسه قال انهم واقعون في دائرة الجهل لان الشيخ في هذه الحالة يكون جاهل وتلامذته جهله.
وعدد محمد الريح اخلاق الرجال واجملها في (التقوى الصدق والمطعم الحلال عفه وكرم تواضع وامتثال راسخا بالنفوس في طاعة الفعال) واشترط اجتماعها في الشخص حتى يكون جديرا بأن يصبح قائداً روحياً.
ومن جهة حذر من وجود مدعو التصوف الذين يستغلون عاطفة الناس فينجذبون من حيث لا يدرون وبذلك يكون الشيخ
(ضل واضل ) واشار لانتشار ذلك في حوبة التصوف في الوقت الراهن.
وبرأ ساحة مشايخ الطرق الصوفية الحقيقيون من ما يحدث في الساحة الآن، وأكد ان التصوف يرتكز على المعرفة وتعاليم القران والفقه والحديث وجميعهم يجتمعون في السلوك العام للشيخ ،ونوه الشيخ حمد الى ضرورة قيام ثورة صوفية تصحيحية تبدأ من المشايخ انفسهم بقوله (ابدأ بنفسك وانهها عن غيها فأن انتهت فانت حكيم تصف الدواء لي كيما اصح به وانت سقيم ) وتمسك بضرورة تطهير وتنقية البيت من الداخل لينقي المجتمع خصوصا ان 80% من السودانيين متصوفة بحسب قوله وتتجذر فيهم الصوفية لكنها تحتاج لإحياء ، وقطع شيخ حمد بأن ازمات البلاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية رهينة بصلاح المجتمع الصوفي.
ولم يتفق الشيخ محمد مع سابقه الشيخ محمد الانور فيما يختص بعلاقة الحكام مع المشايخ وذهب الى ابعد من ذلك بوصفه لتلك العلاقة بالشائهة وقال ان الحكومة لا تأتي للمشايخ محبة وإنما طمعاً في المنتسبين للطريقة للاستفادة منهم في الحشود الجماهيرية وفي العملية الانتخابية بمقابل مادي وصفه بالبخس ما يؤكد ان علاقة الحكام بهؤلاء المشايخ ليست حقيقية واضاف وزراء اليوم يترددون لكن اين حكام الامس ، ولم يبرئ شيخ محمد مشايخ لم يسمهم من التورط في تجاوزات مالية واخلاقية بقوله تلك الفئة تتلقى الاموال وتوهب المنازل الفخيمة والفارهات ما يقودنا لوصف تلك العلاقة بالدنيوية وزاد السياسة حمالة أوجه. والتصوف هو تصفية النفس وتزكيتها وتخلقها بالخلق الربانية وتهيؤها واستعدادها لقبول العلوم من الله فاذا صفى المحل بهذا النوع من التصفية لاح له علم الحق في مسـألة مـن مسـائل الأحكام كما لاح للمجتهد فاختلف الطريقان واتحد الحكم.

اعادة انتاج
ومن جانبه حذر الاكاديمي د. اشرف عثمان محمد الحسن بكلية العلوم السياسية بجامعة أم درمان الاسلامية من عدم استغلالية الطرق الصوفية بعد التماهي الذي حدث خلال 30 عاما الماضية ما بين اهل السجادات والسلطة الحاكمة التي قال انها استطاعت من خلالها كسب رصيد جماهيري واسع، واعاب تحول غالبية السجادات الى (محكومين) وليسوا (محكمين) وشدد على ضرورة بعث خطاب روحي جديد لإعادة انتاج التصوف ،واضاف ان التصوف انخرط منذ وقت بعيد في مجالات السياسة (الختمية والانصار) لكن بوجه رأسمالي رمزي.
ودعا د.اشرف عثمان لأهمية توسيع دور السجادة الذي راهن على دوره في حلحلة ازمات السودان واستشهد بدور الشيخ الياقوت في احتواء ازمة طلاب دارفور بجامعة بخت الرضا وقال اذا اسقطت هذه التجربة على ازمة اقليم دارفور لحلت الازمة بشكل مجمل وغيرها من ازمات وفقاً لخطاب ومواجهة ثقافية واسعة ، لكنه قطع ان هذا الدور يتطلب حاكمية واستقلالية الطرق الصوفية.
وفي السياق ذاته اكد محدثي ان ماعون التصوف هو الترياق المضاد لنزاعات الجماعات المتطرفة (الراديكالية ) وزاد من غير المنطق اعتبار التصوف استثناءا من ما يحدث بالبلاد والمحيط الخارجي.

دور اخلاقي
ويرى باحثون اجتماعيون ان الطرق الصوفية تمثل منظمات مجتمع مدني تقليدية ويؤكد الاكاديمي بكلية العلوم السياسية هاشم قريب الله ان اسهامات الطرق الصوفية توازي وتفوق في بعض الاحيان دور السلطة السياسية ونبه الى ان دلالاتها التاريخية تظهر في مملكة الفونج (1504ــ1821م) حيث برز الدور الكبير للمشايخ في تسير الحياة العامة بتحملهم المسؤوليات العظام مع السلطة الحاكمة التي كانت تمنحهم تقديرا عالياً. واشار خلال فترة التركية الاولى وحتى الثورة المهدية وفتح الخرطوم كانت اسهامات الطرق الصوفية متقطعة الى ان جاءت الثورة المهدية وكان امامها محمد احمد المهدي تلميذا لشيخ محمد خير والشيخ نور الدائم والقرشي ود الزين ما يؤكد العلاقة الصوفية والسياسة وزاد من خلال لقاء المهدي والخليفة عبدالله التعايشي عند بناء ضريح الشيخ القرشي ود الزين كان الميلاد السياسي للمهدية طبقا للحوار الذي دار بين المهدي وخليفته حول الراهن السياسي في ذلك الوقت. وفيما يختص بإمكانية التجمعات الروحية في اصلاح المتغيرات الاجتماعية والحالة السياسية بالبلاد قال هاشم ان الراهن معقد والسودان يتعرض لإشكالات متعددة بسبب الحروب والنزاعات التي ارجعها للظلم السياسي وعدم العدالة وغياب التنمية ، وحمل النخبة الحاكمة (الحكومة والمعارضة ) مسؤولية تلك الازمات واشار لضرورة الاحتكام للطرق الصوفية وجعلها وسيط لأنها لا تملك طموح سياسي فضلا عن امتلاكها للأدوات والاليات التي تمكنها من القيام بهذا الدور الاخلاقي .

الجريدة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق