تقارير وتحقيقات

جُنـد الوطن أم الأنظمــة؟! عقيدة القوات النظامية في الميزان  

 

“العقيدة العسكرية” مصطلح عسكري عام لوصف الأداء الذي ستقوم به القوات وتلتزم به خلال عملها سواء في المعارك والحروب أو حالات السلم، وتعتبر العلوم العسكرية أنه إطار نظري قياسي موحد وموجه داخل المؤسسة العسكرية أكثر من كونها مجرد قوانين ونظريات جامدة،  العقيدة العسكرية قد تطرأ عليها تحولات وتغييرات فهي رهينة المواقف والقرارات.. وبعد كل تلك التغييرات السياسية والشعبية في البلاد كان لزاماً تقييم تلك المواقف.

الخرطوم: نورالدين جادات

الفريق العطا: نريد خلق منظومة عسكرية واحدة قومية متينة تستطيع حماية هذه البلاد العظيمة

 

اللواء شرطة د.الطيب عبدالجليل :في عهد الإنقاذ طغي الكادر العسكري المُسيس لولاء الإنقاذ علي العسكريين المهنيين

 

اللواء م.العباس: القوات المسلحة عقيدتهم الوطن ولا يتاثرون لكن في القوات الاخرى الامر يختلف

 

اللواء د.الطيب عبدالجليل: ليس هناك عداء من الشعب  للقوات النظامية و (كنداكــة جـا… بوليس جــرا ) هتاف لحظي

 

 

تزحزح عقيدة

في محاكمة قتلة الشهيد أحمد الخير أفاد رفيق الشهيد الخير اثناء التعذيب ان افراد جهاز الامن مارسو عليهمم التعذيب وكانو يلقنونهم بعض الكلمات ليرددوها مثل العبارة السياسية (تقعد بس) التي اطلقها المؤتمر الوطني لثبر أغوار شعار الثورة “تسقط بس”، عدد من التصرفات الاخرى تجاه المعتقلين التي تعتبر خارجة عن التعامل وفق القانون والمهنية صدرت من هذه القوة، الامر لم يقتصر عليهم فقد وضح مقطع فيديو مسرب من فض إعتصام القيادة العامة للقوة التي تضم قوات الدعم السريع –بحسب تقرير النائب العام- أظهر حيث أظهر الفيديو أفراد يرتدون زي الدعم السريع ويحملون (العصي) والهراوات وهم يضربون المعتصمين ليس بغرض إخلاء المكان بل للتشفي بحسب مايوضح المقطع عبر حصرهم في الازقة، الجندى الذي صور أغلب الفديوهات ساق أحد أسبابه الشخصية لتبرير مافعله بقوله “دقوهم ديل الاحمونا الإجازة”، تصرفات أخرى هزت المجتمع السوداني بعد وضع عدد من الجنود لاحذيتهم العسكرية الصلبة علي وجه أحد الابطال المعتصمين، كل تلك التصرفات -وإن كانت محدودة- إلا انها صدرت من قوات نظامية سودانية كان يجب عليها الحرص علي تطبيق القانون وليس سواه، وهي ماقادت إلي طرح عدة تساؤلات بعد نجاح الثورة المجيدة حول عقيدة القوات النظامية للتعامل مع المواطنين في ظل الدولة المدنية الجديدة حتى تقوم بدورها الاساسي تجاه الوطن والمواطن دون ما تطرأ من حالات لمخالفات .

 

من ينفث الكراهية؟

كغيري من المشاركين في ثورة ديسمبر المجيدة تعرضت للضرب عدة مرات لكن الاقدار ساقتني لمعرفة المزيد بعد ان كنت ضمن معتقلي موكب حب الوطن في يوم 14 فبراير من تاريخ الثورة، علي الرغم من الضرب المتواصل والسباب إلا ان تساؤلا واحد كان يقفز إلي ذهني، ما الذي يجعل ذلك الشاب يضربنا بكل تلك الوحشية؟ وكاننا علي خلاف شخصي، مالذي بيننا وبينهم لنفث كل ذلك الحقد تجاهي وبقية المعتقلين، هل هي المهنية أم التعليمات أم الراتب والحوافز، لتقيم ذلك عزيزي القارئ فإن أغلب الحديث كان إرتجالي علي شاكلة :(إنتو شيوعيين دايرين تخربو البلد دي، ) يتعدى ذلك بالشتم بالفاظ أخرى نابئة بعضها عرقى والاخر يتعلق بالشرف، اكثر من ذلك عندما يصل الأمر للتحدى الشخصي علي طريقة أطفال المدرسة بتركيزهم علي عبارات علي شاكلة “هم وينهم الرجال البيقلبو الحكومة..إنتو أسي رجال؟” طبعا السؤال للإذلال فقط وإن حاولت الإجابة ستبدأ عملية الضرب والصفع في الوجه مرة أخرى ليس لك وحدك بل لكل المعتقلين، لم أجد تفسير لما حدث ويحدث حينها حتى بالحديث مع الضباط فماتجده هو حديث التخوين والإحتقار لاغير، كل ذلك يقودك لعدة تساؤلات ماهي العقيدة التي تبث في هؤلاء البسطاء نعم بسطاء لانهم في حالة جادلتهم الحجة بالحجة فلن يقوى علي مقارعتك وتبرير مايفعل، ولمصلحة من يتم فعل ذلك؟ وهل الوطن والمواطن دافع الضرائب رواتب هؤلاء مستفيد من ذلك أم ان الامر متعلق بمجرد حزب سياسي ومجموعة أشخاص؟.

 

عندنا عندهم عيون واعضاء

الصحفية سارة ضيف الله تحدثت عن العقيدة العسكرية للقوات النظامية عرضا في منبر لشبكة الصحفيين السودانيين في وقت سابق بتأكيدها انه لابد من إعادة صياغة جهاز الشرطة ليكون قومياً فهي ترى ان القوات الامنية تحتاج لإعادة صياغة في مايتعلق بعقيدتها تجاه التعامل مع المواطن ، وزادت: الشرطة خصوصاً عندنا عندها أيادى وعيون لرفاقنا الثوار، فعندما تسبب إطلاق الرصاص الحي للنظام في مشاكل دولية، كان البديل بإطلاق الشرطة الغاز المسيل للدموع مباشرة علي الاجساد وعيون الشباب وهو ابعد مايكون عن المهنية التي تدافع عن المواطن.

أساس العسكرية

الخبير الاستراتيجي اللواء معاش محمد العباس قال لـ”التيار” ان العقيدة هي أساس العملية العسكرية الذي يجب ان ينشأ عليها اي فرد، ويضيف عباس الذي كان قائد للفرقة الرابعة بالدمازين في التدريب ينشأ فهم الظابط الصحيح وذلك عبر جرعات تدريب مختلفة، وقد قلت ذلك للسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء حينها عندما زارنا في الدمازين قبل تحرير الكرمك وقيسان قلت له الظابط ينظر يمينه ويساره ليرى من سيكون القائد في المرحلة القادمة للقوات المسلحة ولاينظر لمن سيقوم بإنقلاب، ليتأكد ان من سيعقبه هو ظابط ذو كفاءة مهنية وليس من ينضم للجهة السياسية أو غيرها، لذلك القوات المسلحة جميع منسوبيها تجدهم علي عقيدة واحدة وهي الوطن والحفاظ عليه ولا يتأثرون باي عوامل أخرىز

قوات أخرى

اللواء العباس قال ان القوات النظامية الاخرى يجب ان تعمل في تسانق وتناغم تام مع القوات المسلحة، لكن يختلف الوضع في بعض القوات النظامية الاخرى فقد يتلقون جزء من التدريب بإعطاهم جرعات ومهام قد تختلف، فمثلا كما ذكرت فإن افراد جهاز الامن بعد تعاملهم الاخير فإنهم يتلقون جرعات بالمحافظة علي الحركة الاسلامية وليس الوطن فتظهر المسالة كأنها قوات حزب عمين، عطفا علي ذلك فإن التعليمات من الرتب العليا تكون مؤثرة في ترسيخ هذه العقيدة في اذهان الرتب المتوسطة والصغيرة والافراد.

 

 يرشح البشير

خطوات كثيرة أثرت علي صورة القوات النظامية لدى المواطنين أبرزها دخول العسكريين معترك السياسة، فقبل مايقارب العامين أجريت حوار صحفي مع رئيس حزب الامة الإمام الصادق المهدي بمنفاه بالقاهرة قبلها بأسابيع صدر في عدد من صحف الخرطوم ان الجيش يرشح البشير في انتخابات 2020 ، توجهت بهذا السؤال للإمام الصادق المهدى بأن القوات المسلحة قد رشحت البشير أجاب وقتها بأنه إذا كان البشير يريد معرفة راي القوات المسلحة في ترشيحه فيجري استفتاء داخلي ليعرف النتيجة، الإمام أوضح في ذلك الحوار ان افراد القوات المسلحة عقيدتهم الوطن لكن بعض القيادات هي من تبائع.

رسائل الاصلاح

في مؤتمر صحفي سابق تحدث فيه الفريق ياسر العطا عضو اللجنة السياسية للمجلس العسكري –حينها-  وعلي الرغم من ان المؤتمر الصحفي كان بعد احداث فض الإعتصام والحديث عن الوضع الراهن إلا ان الفريق العطا أرسل عدة إشارات يمكن من خلالها إستنتاج قراءات مستقبلية لما سيتم في بنية الجيش وهو مايهم في هذا التحقيق بخصوص مستقبل القوات المسلحة فقد ذكر العطا بأنهم يريدون-أي المجلس العسكرى- خلق منظومة عسكرية واحدة قومية متينة تستطيع حماية هذه البلاد العظيمة ،وإسترسل في عملية محاسبة المنضمين للثورة من القوات المسلحة وضرب مثال بأن أحد الضباط المتعاطفين مع الثورة تم تكريمه من وزير الدفاع السابق، لكنه عاد وأكد علي ضرورة الإنضباط بقوله: مسألة الإنضباط هي ضرورية ولابد من الحرص عليها في هيكل القوات المسلحة وفي حالة حدوث أي إنشقاق في القوات المسلحة فهي بداية لحرب أهلية، كل ذلك الحديث من الفريق العطا يؤكد ماذهب إليه الخبراء العسكريين في ضورة مراجعة القوات النظامية والحرص علي العقيدة التي يتلقاها الضابط والجنود خصوصا قبل تخرجهم.

 

 

الضامن!

الفريق ياسر العطا عضو المجلس العسكري حينها قال في المؤتمر الصحفي ان القوات المسلحة كانت تراقب عن الوضع السياسي في البلاد وهو مايراه المحللون أيضاً ضمن ادوارها ويضيف العطا: الاوضاع كانت تسير نحو افق مسدود وذهب العطا لابعد من ذلك بقوله: كان هناك حراك داخل المؤسسة العسكرية،  الجيش، الشرطة، وحتي جهاز الامن حتى جاء إجتماع الدعم السريع مع قواتهم التي اكدو فيها بانهم ليسو ضد الشعب السوداني ولن يصوبو اسلحتهم الي صدور شعب بلادهم، العطا قال ان إنتصار الثورة هو الضامن لخلق بيئة مواتية لمفهوم الديمقراطية.

أجاويد

الفريق ياسر العطا قال بصيغة التأكيد بأن القوات المسلحة تريد ان تكون وسيط بمبدأ الأجاويد اذا اختلفو السياسيين حتي تسير الفترة الانتقالية وتنفذ كل مطلويباتها ، ويضيف في نفس المؤتمر الصحفي قبل الإتفاق: نريد ان نوفر لهم الحماية والقوة الحقيقية لاي عمل مضاد ضد الثورة، إن كان عمل عسكري كما حاول البعض –في إشارة لعميلات الإنقلابات- او ثورة مضادة مدنية تعرقل عمل الحكومة حتي تسير بهدوء، لذك فإن وجودنا مهم وضروري لاصلاح الدولة في كافة مناحيها وفق القانون ولوائح الخدمة المدنية، حريصين ان يكون هناك قانون انتخابات متواضع ومتراضي عليه ولجنة انتخابات محايدة، وان نكون القوة لمحاربة الفساد.

قادة بلا قرار

اللواء شرطة د.الطيب عبدالجليل بدأ أكثر صراحة وأقر بتغيير كبير طرأ علي عقيدة القوات النظامية بصورة عامة وعزأ ذلك إلي ما ساماه تغول السياسيين بقوله: القائد العسكري يعتبر قمة القرار وقمة الهرم لكنه في السنوات السابقة ظل يتلقى التعليمات من خارج المؤسسة العسكرية ومن السياسيين علي وجه الخصوص فقد قسمت الإنقاذ المسؤليات علي قيادات حزبها المدنيين فتجد ان قوات كذا مسؤل منها عوض الجاز وكذا فلان الفلاني وهو الامر الذي كان يجد الرفض من الرتب الوسيطة وبعض القيادات بصورة مستمرة لذلك كانت سمة هذا العهد هي التراخي، عبدالجليل قال ان الامر الاخر هو سيطرة السياسيين علي القرار فيتم ذلك عبر مدراء المكاتب فجميع مدراء المكاتب التنفيذيين بالنسبة للضباط في الرتب العليا هم كوادر سياسية إسلامية وكل من يقاوم توجيهاتهم تتخذ في حقه اجراءات او يحال الابعاد او الإحالة للمعاش.

جرعة

بيد ان الطيب يرى ان الجرعة التدريبية البدنية هي نفسها علي مستوى الضباط منها الالتزام للرتبة الاعلي بحسب التعليمات التي تكون من اعلي الي اسفل عطفا علي ان مهنية الضابط في هذا الانضباط  في كل مواقع عمله سواء كان ميداني او ديواني

الراهن

بعد ثورة ديسمبر والتركيز الكبير الذي وجه علي القوات النظامية وإختبار مواقفها يرى القانوني الطيب انه حتي قيام الثورة طغي الكادر العسكري المُسيس والمدين للولاء للإنقاذ علي  الكادر العسكري المهني لذلك جاء الرد القوي والعنيف علي التظاهرات باستخدام القوة المفرطة من بعض الاجهزة لحماية النظام وليس الدولة والشعب فلا يمكن للنظامي ان يتعدى علي الحقوق والقانون والحريات بالدخول للمنازل وغيرها من الممارسات التي شاهدناها لأول مرة.

هيبة الدولة

أما فيما يتعلق بهيبة الدولة فقد كان اللواء شرطة عبدالجليل الاكثر تفاؤلاً بقناعته ان فرض هيبة الدولة من السهل ان يتم بتطبيق القانون وليس سواه وهو ماسيعيد المهنية للخدمة العسكرية لتتحول من سيطرة الانظمة لحماية الشعب.

وزاد: هناك بعض المخاوف من صعوبة فرض هيبة الدولة مجددا بعد إهتزاز صورة القوات النظامية لدي المواطن لكن من السهل إرجاعها كما ذكرت أما مايشاع بصعوبة ذلك بخصوص الهتافات المناوئة ان القوات الامنية كافة والشرطة علي وجه الخصوص في حرج بالغ في التعامل مع المواطنين بعد أحداث الثورة الاخيرة وهي بحاجة إلي مراجعة وإعاده هيكلتها، لكن ليس هناك روح عدائية من الشباب تجاه هذه القوات في الاحداث ويجب الإرشاد والنصح وان الثقافة السائدة يجب ان تراجع بما يخدم مصلحة الوطن وأمنه.

لكن فيما يتعلق بهتاف (كنداكــة جـا… بوليس جــرا ) فهي هتافات لحظية قالها الشباب في الوقت الذي كانت تشهد فيه البلاد سيولة أمنية وكانت السلطة هي سلطة المواطن، لكن كما ذكرت هي هتافات لحظية ولا تعبر عن حياة هؤلاء الشباب بل ترديدها لما وصلو إليه من قناعة في تلك اللحظات فهؤلاء الشباب إن وجدو إنضباطاً فهم من سيساندون القانون والشرطة ولايجب ان تفهم في سياق غير ذلك.

نشر بـصحيفة التيا  ر

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق