تقارير وتحقيقات

كسلا.. هنا يكمن الأنين!

أشد من آلام (الولادة) هكذا تحدثت إحدى السيدات عن معاناتها مع حمى الشيكونغونيا (الكنكشة) ليتبدد مع وصفها أي حد للتخيل لشدة الألم، لتتحول ما بين لحظة وضحاها نضارة وجمال القاش لجحيم يهابه الناس الكل يريد الفرار من الإصابة بحمى الشيكونغونيا بعد أن أضحت كابوساً يؤرق الجميع، وما أثار حفيظتي عدم وجود أي احتراز للمسافرين وهو ما يعني أن البلاد موعودة بكارثة صحية مالم تتجه السلطات للاحتراز المسبق، وتعقيم البصات السياحية التي تمتلئ تماماً بالمسافرين، إلى متى تتعامل السلطات الحكومية مع الكوارث بصورة تجارية؟ لماذا لا تهتم بالوقاية حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه؟

تقرير: حمد سليمان / التيار

 

إرتباك.!
حالة ارتباك تسود المكان، ذوو المرضى يجوبون المكان جيئة وذهاباً، الحيرة والشغف تملأ المكان، منذ الوهلة الأولى لدخولي مسستشفى كسلا أوقفني ثلاثة من المرافقين إثنان إناث وأحدهم ذكراً، يلهثون بحثاً عن طبيب يعاود مريضهم الذي فقد الوعي تماماً حسب قولهم إذ إنه أُحضِر للمستشفى منذ ليلة الخميس لكنه وحتى مقابلتي لهم حوالى الساعة الواحدة ونصف بعد ظهر الجمعة لم يجدوا طبيباً يقف على حالته، المرضى يحملونهم ذووهم على الأسرة لم تمر لحظات والا ترى مريضاً يُحْمَلُ على سرير.

تردي الأوضاع..!

اتجهت للداخل ناحية مركز الطوارئ بالمستشفى استقبلتني روائح لا تطاق تنبعث من كل مكان يصعب تحديد مصدرها، أمام غرفة مقابلة أيكتظ المرضى يجلسون على كراسي كل منهم وضعت الكانيولا (الفراشة) على يده وعلق الدرب فوق رأسه، لم ألحظ أي ممرض أو ممرضة تتجول على المرضى وعلمت أن الأطباء على قلتهم هم من يقومون بمهام الممرضين. على الناحية الأخرى تقف صيدلية الطوارئ لحظت إنها متواضعة مع وجود دواء وضع على الأرض وترابيز صغيرة بداخلها يقف صيدلي وحيد ليقوم بتوزيع الدواء المجاني مع اكتظاظ مرافقي المرضى على النافذة الوحيدة. داخل غرفة مقابلة الأطباء يوجد حوالى (5) أطباء يقومون بكل المهام بعض المرضى الذين ساءت حالتهم يحملون على أسرة لمقابلة الأطباء.

قافلة دعم

وأثناء زيارتي للمستشفى صادفت قوافل أطباء إحداها تتبع لصيادلة السودان لدعم ولاية كسلا علمت إنها أحضرت إمداداً دوائياً بكلفة مالية بلغت (10) مليار جنيه تحوي على محاليل وريدية بأنواعها المختلفة تمثل حوالى 50 ألف وحدة وكانيولات (الفراشة) 20 ألف قطعة.. بجانب المسكنات بمختلف أنواعها إضافة لأدوية علاج الملاريا والمستلزمات الطبية وبعض معدات الوقاية (3 مكنات الضخ الضبابي والمبيدات) ومعدات معملية تقدر القيمة الكلية بما يقارب 10 مليار جنيه. وتعهد شركاء القافلة بمواصلة الدعم حتى تنتفي الحمى.

قلة الكوادر..!
إحدى الطبيبات بالمستشفى إشتكت من سوء الأوضاع بجانب قلة الكوادر الطبية وأضافت بقولها:” يوم أمس الخميس كان الأطباء ثلاثة واليوم (5) أطباء فقط وممرضة وحيدة في صباح اليوم، لكن الآن لا توجد ممرضة، وانهم يعملون منذ السابعة صباحاً لكنهم لم يستطيعوا تناول وجبة الإفطار إلا بعد الواحدة ظهراً في دقائق قليلة، مشيرة إلى أن الدوام حوالى (13) ساعة يبدأ منذ السابعة صباحاً حتى السابعة مساءً مع ضغط من قبل المرضى وإنهم يعملون طوال الوقت على مقابلة الحالات.
قصة معاناة مع الشيكونغونيا.!

إحدى السيدات التي شفيت من مرض الشيكونغونيا تصف ألم المرض بأنه أشد من ألم (الولادة) وتروي قصتها بقولها: “في بداية ظهور المرض شعرت بورم في إحدى أصابع يدي خصوصاً بالمفصل، مع فتور وكسل وتعب لتعقبها حمى تدريجية تشتد إلى أن تصل لدرجة الغياب عن الوعي. وزادت المريضة: فقدت الأمل في حياتي بدأت أوصي أهلي على بناتي وعندما اشتدت معاناتي مع المرض أصبح (المسكن) الفلتركس لا يخفف الألم فقد أصبح جسدي كله يؤلمني شعرت حينها بالموت، استمرت الحمى لثلاثة أيام بعدها أفقت من آلام الغيبوبة لكنني وحتى هذه اللحظة مرت (15) يوماً على إصابتي إلا إنني أشعر بالألم”. وتصف السيدة ناقلة المرض بقولها: “هي باعوضة صغيرة الحجم بها خط أبيض ليس لديها صوت”.

مرضى على رصيف الاهمال..!

أحد المواطنين كبير في السن وجدته يجلس على أحد الكراسي التي تقبع أمام عيادة الطوارئ اسمه عبد الله أبو بكر يقول إنه لم يجد أي اهتمام ويشعر بالحمى وألم في المفاصل والظهر”. أما مدثر محمد المريض بحمى الشيكونغونيا يقول:” ذهبت يوم الأمس وقمت بإجراء فحوصات بعيادة خاصة ولكنني اليوم حضرت للمستشفى لأخذ الدواء، أشعر بألم في كل الجسم والصدر مع سخانه شديدة”.

وفيات ولكن..!

ورصدت (التيار) ارتفاع حالات الوفاة بالمدينة ففي مقابر الختمية شهدت الصحيفة على تشييع المواطنين لعدد من الجثث، وعلى الرغم من النفي الحكومي متمثلاً في وزارة الصحة بالولاية إلا إن بعض الأطباء يؤكدون أن الحمى لوحدها لا تقتل لكنها عندما تصيب أي مريض من الأمراض المزمنة (الضغط، السكري، القلب) فإنها تتسبب في احتمالية حدوث الوفاة لما تسببه من مضاعفات للمرضى.

هجوم وزاري..!

هاجم مدير عام وزارة الصحة بولاية كسلا نورالدين حسين وسائل التواصل الاجتماعي لجهة إنها عملت على الترويج بصورة سالبة للمرض وبعضهم أشار إلى إنه إيبولا وليس شيكونغونيا. مشيراً لتراجع نسبة الإصابة بالمرض وسط المواطنين، وبلغت مؤخراً ما بين (200 – 400) في اليوم الواحد. منوهاً إلى أن الاحصائية النهائية للمرضى بلغت (15.944) حالة حتى يوم الخميس المنصرم. وأكد حسين أن المرض وافد للولاية من ولاية البحر الأحمر وبدأ ظهوره الأول بتاريخ 8 أغسطس بمنطقة بانت بالناحية الغربية للولاية، ليتم إرسال عينات للخرطوم وبعدها أثبتت الفحوصات بالمعمل القومي أن المرض (حمى الشيكونغونيا)، منوها إلى إنهم بدأوا بوضع خطة للرش الضبابي بجانب التوعية الصحية، وزاد قائلاً: “بعد مرور (24) يوماً من الرش والتوعية والزيارات إكتشفنا أن المرض في تزايد، خاصة وأن الولاية شهدت في تلك الفترة هطولاً غزيزاً للأمطار بلغت (102) ملم، ما أسهم في تدهور الوضع الصحي، وصحة البيئة، بالإضافة إلى الفيضانات التي اجتاحت عدداً كبيراً من الأحياء وشكل تحدياً كبيراً أمام وزارة الصحة وحكومة الولاية”.

رفض الرش الضبابي..!
ويمضي مدير عام الوزارة بالقول أن بداية الإصابة بالمرض شهدت ارتفاعاً كبيراً وسط المواطنين وصلت إلى أكثر من (900) إصابة في اليوم الواحد، وأشار إلى أن المسوحات الحشرية أثبتت وجود توالد عال للباعوض الناقل للمرض، مؤكداً اتجاههم للتحول لرش المنازل كل على حده، إضافة لنظافة (الأزيار والمكيفات). وأشار نور الدين إلى اتجاه وزارته لافتتاح (41) مركزاً صحياً بالولاية تستقبل حالات حمى الشيكونغونيا مع توفير الدواء مجاناً، وتعمل في استقبال المرضي طوال اليوم، مع وفرة الكوادر الطبية بالمراكز، نافياً وجود نقص في الإمداد الدوائي بالمراكز الصحية، ولفت إلى أن بعض المرضى لا يذهبون إلى المراكز الصحية يتوجهون إلى المراكز الخاصة أو إلى الصيدليات مباشرة لشراء الدواء وهذه ليست مسؤولية وزارته، وأشار إلى أن العلاج في جميع منافذ وزارة الصحة مجاناً داخل المستشفى والمراكز الصحية. مؤكداً رفض بعض الأسر عمليات الرش من قبل المتطوعين داخل المنازل بجانب نظافة الأزيار ما دعا وزارته للتحفيز وتوزيع الجوائز لمن ينظف (مزيرة المياه).

نقص كبير في الكوادر..!

وكشف مصدر طبي بمستشفى كسلا عن علم الوزارة بالولاية بكل ما يجري بالمستشفى، مؤكداً علمهم التام بوجود نقص في الكوادر الطبية بجانب التردي البيئي وأردف: “اليوم هناك (4) أطباء يعملون بمركز الطوارئ وهذا أمر جيد، ففي هذه المستشفى فقط (6) أطباء امتياز، (15) طبيباً عمومياً، (34) إخصائياً، وحتى الأطباء الموجودين الآن البعض منهم يتم التعاقد معهم لأنهم لا يعملون هنا، مشيراً إلى أن التمريض بالمستشفى يعاني من شح في الكوادر الطبية، مؤكداً على أن قوانين العمل لا تحل أية مشكلة ليس لديهم شيء سوى المرتب وهو ضعيف لا يتعدى الـ(800) جنيه، ومن ضمن الممرضين هناك من أصيب بمرض الشيكونغونيا، والغياب كبير جداً، والممرضون يتوزعون على الأقسام الكثيرة بالمستشفى، هناك عزوف عن العمل الإداري بالمستشفى وحتى المدراء الطبيين عددهم إثنين أصيبا بالحمى، والوضع الطبيعي كان يجب أن يكونوا حوالى (4) مدراء طبيين، والأطباء الموجودون ما راضون كي يتعينوا مدراء طبيين في هذا الوضع”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق