الرأي

سلمى التجاني

عندما تتواطأ المحكمة مع المجرمين

 

” لو أردنا إحترام القانون فعلينا أن نجعل القانون محترماً ”
لويس برانديز قاضي و محامي أمريكي

في قضيةٍ يمكن وصفها بالغرابة ، أدانت محكمة بولاية الخرطوم معلمة بروضة أطفال ، بجريمة إغتصاب طفلة تبلغ من العمر أربعة سنوات ، كانت تحت رعايتها بالروضة . حُكِم على المعلمة بالسجن لثلاث سنوات مع الغرامة ( 10 ألف جنيه سوداني ) . وجه الغرابة يأتي من كون الجانية إمرأة ، وأن الحكم جاء مخففاً لدرجة
التساؤل على أي قانون إعتمد القاضي في إدانته .


إعتدنا في جرائم إغتصاب الأطفال أن يكون الجاني رجل ، لكن هذه السابقة تفتح الباب على نوعٍ آخر من الجرائم موجود بمجتمعنا سوى أنه لا يصل للمحاكم لصعوبة إكتشافه وإستبعاد حدوثه ، لتصبح هذه الواقعة هي الثانية من نوعها ، حيث شهدت إحدى محاكم الخرطوم قبل ثلاثة أعوام وقائع إغتصاب طفلتين ، كانت الجانية فيها زوجة الأب ، وجرت تفاصيلها بذات المنوال ، إدخال الأصبع في فرج الطفلتين الضحايا ما أدى لتهتك العذرية . لم تصل هذه القضية لحكم وذلك لتدخل نافذين بالدولة ، ولم تحظ بالتناول الإعلامي المطلوب لحظر النشر لوقائعها .
خطورة الجريمة التي نحن بصددها اليوم تأتي من كونها وقعت بإحدى رياض الأطفال ، وهي تحت إشراف الدولة بموجب قانون الطفل للعام 2010م في المادة (19) (2) ونص على أن لوائح القانون تنظم دور الحضانة وتتولى الإشراف عليها وترخيصها ورقابتها . ليضع نيابة الطفل أمام مسئوليتها في توفير بيئة آمنة للأطفال تتطلب رقابة وإشراف دوري للتأكد مما يجري داخل هذا المؤسسات .
الأمر الثاني هو أن الجانية معلمة بالروضة وأم لخمسة أطفال تحت رعايتها المباشرة ، ما يقدح في أهليتها للقيام بالمهمتين ، كمربية وكأم . فبحكم دورها كمربية برياض الأطفال وقد تكون عملت فيها لسنوات ، يفرض تساؤل نفسه : كم عدد ضحاياها ، وهل علم ذويهم بما حدث لهم ، وكيف تعاملوا مع الأمر ؟ كل ذلك كان يستدعي من المحكمة توسيع دائرة التحقيق ليشمل كل الأطفال الذين كانوا تحت رعايتها في يومٍ من الأيام ، خاصةً أن أقوال الطفلة الضحية كما وردت بالخبر المنشور بالصحف ، وردة بصيغة المضارع ( المعلمة تفعل ذلك ) ما يؤكد أن الفعل كان مستمر منذ فترة ، وأنه يتم في مكان لا يثير شكوك بقية المعلمات بالروضة ، ويحدث في الحمام ، فيبدو وكأنه أمرٌ عادي ، معلمة تأخذ طفلة للحمام لتلبية نداء الطبيعة .
الأمر الثالث يتعلق بحكم المحكمة ، إذ جاء مخففاً لكون الجانية أم وفقاً لما قاله القاضي في جلسة النطق بالحكم ، وهذا أمرٌ يثير التعجب ، فكون الجانية أم ويفترض فيها أن تعي دورها في المحافظة على سلامة الأطفال وعدم تعريضهم لتجارب قاسية تؤثر في حياتهم كلها وتلقي بظلال سالبة على نظرتهم لمفهوم الأمان والشخص المأمون ، بل وتؤثر على إدراكهم لمسئوليات مؤسسات الرعاية والتعليم . كذلك وجب علينا التوقف عند أهلية المعلمة لرعاية أطفالها ، والتشكك حول ضمان سلامتهم معها .
إن حُوكمت المعلمة وفقاً لقانون الطفل ، فهذا الحكم معيب وظالم ويعتبر خيانة لدور المحكمة في إنصاف الضحايا ، وتخلي عن مسئولياتها في خلق مجتمع صحي ومعافى لتنشئة الأطفال . ينص قانون الطفل للعام 2010م في المادة (45) أ ، أن عقوبة مغتصب الطفل هي الإعدام أو السجن مدة لا تتجاوز عشرين عاماً مع الغرامة ، وجاء في ذات المادة (45) ج أن عقولة التحرش بطفل هي السجن لمدة لا تتجاوز الخمس عشرة سنوان مع الغرامة ، ولان هذه الجريمة غايةً في الخطورة لحيثيات تتعلق بالجانية ومكان الجريمة ، كان على المحكمة توقيع أقصى عقوبة ، منعاً لتكرار الجريمة ، وتماشياً مع أهداف سن القوانين ودورها في حماية المجتمع ، وإنصافاً لطفلة أُجبرت على المرور بتجربة قاسية وغير إنسانية ، وقبل كل ذلك كان يجب أن يكون الحكم نموذجياً بالأخذ بأقصى العقوبة حتى يحقق الردع المطلوب .

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق