الرأي

موسي أدبايور يكتب .تجاوز عمى الهُوية…مين قال: ” أن أدوات السيد لا تهدم بيته ؟”

اصدر د. عبد اللّه علي إبراهيم كتاب [مَن يَخافُ الحدَاثة؟] عن دار المصوَّرات للنشر والطباعة والتوزيع 2017. ضمن سلسلة كاتب الشُّونَة، وهي سلسلة كتابات نقدية لمعالجة قضايا الفكر والتاريخ ومناهجه.
تنقسم محتويات الكتاب إلي أربعة مقالات ومقدمة، كتبها المؤلف لأغرض متفرّقة ولكن الناظم لها هو الانشغال بالحداثة والتحديث والاستعمار وإشكالية العلاقة بين ثقافة الغرب والمجتمعات التقليدية.

عبد اللّه في كتابه وضع السؤال أفقاً للكتابة «مَن يَخافُ الحدَاثة؟» والسؤال باعتباره الحركة التي يغير فيها الوجود مجراه كما عبّر عن ذلك موريس بلانشو[1]. حيث مارس عبد اللّه تحليلاً ونقداً لمضمون النصوص والخبرات التي تناولها، وتكامل كتابه مع نصوص اخرى على أساس إن الكتابة فعل خلاق ينعكس في العديد من مجالات الحياة. وبأثر ذلك فتح بعض الأبواب لممارسة النقد التاريخي على تصورات ورؤى [الحداثيين]. وهم الذين يحاولون اللحاق بالحداثة الغربية بشقّ الأنفس. وشن هجوماً كثيفاً عليهم، فقوله: “ولعل المثقف الحداثي هو العقبة الكأداء الأولي في تبليغ الحداثة إلي أهله… فسنرى أنه وسيط بائس لتوصيل نعماء الحداثة إلي غيره في الأمة”. [ مَن يَخاف الحداثة؟، ص16].

وشكمه في موضع آخر “يمارس المثقف الحداثي خداعاً مريباً للذات. فتجده، في تشبه بسلطانه الذي تأسس على سقط الحداثة الاستعمارية، يصرف حركات [الأصولية] مثل بوكو حرام كحالات من باثولوجيا السياسة تنطوي كسيرة على الذات فراراً من الحداثة”.[ من يَخاف الحداثة؟، ص30-31].
بما أننا نستعرض كتاب عبد اللّه بالنّقد لابد أن نوضح ماذا نقصد بالنقد والحداثة والتراث والغرب الاستعماري.

حتى نستطيع مساءلة الفكر الغربي في جذوره الميتافيزيقية ومعرفة مساراته المتعددة. ومن جهة أخرى نستطيع أن نقوم بالتنقيب في الفكر الأصولي[فكر المجتمعات التقليدية] في إشكالاته الكبرى وتطوره وتمزقه بين الماضي والحاضر.

النّقد بمفهومه الماركسي يتبنى على مفهوم الأزمة، والاعتراف بأن هناك خلل ما في النص المعني يحاول النقد تجاوزه، حتى يعيد التفكير من جديد في مضمون النص بالتحليل والنقد تاريخياً ولغوياً وفلسفياً وادبياً.

النقد في هذا العرض يتحرك من فكر الاختلاف ويساءل فكر الأنثروبولوجيا الثقافية المُنتشرة وسط كتابات عبد اللّه حيث التنكر لاشعورياً للآخر، هذا الانثربلوجيا الثقافية سادت في فترة مقاومة الاستعمار، ومتأثرة بفكر المفكر المارتنيكي الثوري فرانس فانون[2].

فكر الأنثربلوجيا الثقافية مبنى على الاختلاف المتوحش مع الأخر الغربي ويضعه غالباً في خانة الرفض المطلق. ويستثمر في التراث المحلي بدون فحص ومساءلته بالنقد والتحليل. قبل وفاته وجه فانون هذا النداء: “أيها الرفاق، لقد ولّى عهد اللعبة الأوروبية، فالنبحث عن بديل”. هذا النوع من النداء تم داخل جو مشحون بالتوتر والحقد للستعَمر كلياً، حيث بنى ركائزه على فكرة الانفصال التام بين المجتمعات التاريخية، ووضعت الآخر في خارج مطلق وضاع معها فكر الإختلاف في متاهات الهُوية الحمقاء حيث العلة الأولي هي ذاتها الهُوية الاصلية التي تقوم على الاصول الثابتة العرقية واللغوية والدينية والأبوية…الخ. إنفصال لا تتحرك فيه الهُوية مع جدل التاريخ حتى يتيح المجال للفرد للإنتماء المفتوح ويستطيع فيها أن يصبح فكرة وتصير معها المجتمعات فِكرَ. في فكر الإختلاف يتضمن الهُوية المفتوحة لكل احتمالات التاريخ في براكسيس اجتماعي واقتصادي وثقافي، ولا يركن للأضل الثابت.
لذلك نقدنا لكتاب “مَن يَخافُ الحدَاثة؟” يستجيب ويقول نعم للحداثة ولكنه لا يقولها للتطابق والهُوية معه بل للفوارق والاختلافات. نقد لا يخلط بين الآخر والغير والآخرين.

نقصد بالحداثة[ المودرينزم] البناء الاجتماعي انطلاقاً من واقع تاريخي محدد، ولذلك فالحداثة في فكر الإختلاف حداثات. وهي في كل نماذجها وفي مختلف المجتمعات ليست مقابلاً للتراث أو الأصولية ولا تطوير لهما، بل الحداثة تفكيك منهجي للتراث ومطلقيته الغير مشروعة ونقد للحداثة الاستعمارية في ادعائها العقلاني الكوني وهي تنطوي على مركزية هيمنة تتعالى على الثقافات الطرفية. الحداثة التي نقصدها في جوهرها هي حريّة الإنسان وتحريره من الإكراهات المختلفة، وعلى رأسها إكراهات الماضي الذي يسكن الحاضر ويعرقل المستقبل.

ونقصد بالغرب الاستعماري المؤسسة التي حرفت جوهر الحداثة في سعيها الحثيث للهيمنة على العالم وموارده تحت مسمى الاستعمار أولاً ثم العولمة ثانياً، واتخذ أبعاد إيديولوجية مُهيمنة في كل المستويات. في المجال الفكري تبنى العقلانية وفي المجال السياسي اتخذ الديمقراطية شعاراً، وفي الجانب الإجتماعي اتخذ الفردانية والمنفعة الذاتية، وفي الجانب الاقتصادي تبنى الليبرالية وتوج نفسه في الجانب السلوكي بالاستهلاك الكبير.

في فكر الاختلاف النقد يطال الغرب الاستعماري ويطال التراث باعتبارهما معاً سلطتين مرجعيتين عائقتين أمام تحرر الإنسان وإبداع المستقبل. نقد مزدوج ينصب على الذات والمؤسسات التقليدية وبناءها الاجتماعية كما ينصبّ على الأخر والغرب الاستعماري وحداثته المفروضة.

عبد اللّه في معرض تعليقه على إشكالية العلاقة مع ثقافة الغرب [من يَخاف الحداثة، ص66،67]. تناول المثقف الحداثي بالنقد وتناسى دور المجتمعات التقليدية في تثبيت هذا الهيمنة الاستعمارية. وأضاف في فصل ( الحداثة التي تأتي ولا تاتي: إطار تاريخي) إن الحداثة في غير أروبا مشروع مستحيل أو في شبه استحالة.

وأورد في السياق التاريخي للتدليل بالحداثة المتثاقلة أو المستحيلة[ حسب وجهة نظره] إطارَين لخلفية مجتمعات إسلامية وأفريقية نشَدت الحداثة منذ القرن التاسع عشر ولم تبلغها كسرابٍ بِقيعة.

الإطار الأول بتثاقل الحداثة استلهمه من مارشال هودجسون[3] واستدل باراء له من كتابه «التفكير مجدداً في التاريخ العالمي» صدر في 1993.

تناول فيه هودجسون الحداثة التي حاول محمد علي باشا خديوي مصر (1805-1848) وتساءل فيه عن لماذا لم يَقُد غزو نابليون لألمانيا إلي مثل هذا الهزال الفكري الذي طبع مصر بعد غزوه لها؟ ودلل بأن غزو ألمانيا من قبل فرنسا أنعشها اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً. وبالمقابل غزو نابليون لمصر إغراق السوق المصري بمنتوجات مصنوعة بالماكينات في الغرب. وحصل كساد في التعليم وصودرت الأوقاف واصبحت المدارس عالة على الدولة، حتى عرج الخديوي على الجامع الأزهر وأفقر مناهجه وقصَرها على الاهتمامات الفقهية الضيقة. العلة الذي ذكرها هودجسون وايدها عبد اللّه في إنعاش ألمانيا وهزال مصر “أن ألمانيا كانت بوجه عام جزءاً لا يتجزأ من المجتمع العام الذي اشتمل على إنجلترا وفرنسا”. [ من يَخاف الحداثة؟، ص، 39]. ألمانيا حين غزاها نابليون كانت تدير إنتاجها بواسطة الآلات وان لم تبلغ بالطبع مستوى إنجلترا وفرنسا. بينما لم تتوفر التقنية لمصر واضطّر خديوي جر الآلات وتشغيلها بقوة الثيران المُنهكة، ولما باء جهده بالفشل هجر التصنيع بالمرة وهذا سبب إغراق السوق المصري بمنتوجات مصنوعة بالماكينات الغربية. وأدى هذا إلى عطالة الحرفيين المصرين، وزعزع نسيجهم الإجتماعي المتماسك قبل غزو مدافع نابليون لمصر.

وبناءً على هذا يقترح هودجسون طريقةً أرحب للنظر إلي خيبة المسلمين في بلوغ الحداثة. ويرى أن المسلمين لم يكونوا بالغيها حتى بشق الأنفس. “فحين أرادت مصر والمسلمون شقَّ طريق للحداثة لم تكن الموارد البشرية كافية حتى قياساً بما توافر لهما من تلك الموارد قبل قرن مضى” [من يَخاف الحداثة؟،ص،40]. لذا يستنتج الاتي: أن الحداثة لن تقع للمسلمين طالما افترضت الحداثةُ الأوروبية انقسام العالم بين مركزً منيع الجانب وتخوم هي بصورة أو أخرى مستعمرة اقتصادياً.

اذا أراد المسلمون أن ينجحوا في التعاطي مع الحداثة وجب على الحداثة أن تتلاءم مع حاجات المسلمين. وعندما حاولت مصر في ثمانينات القرن التاسع عشر إحكام السيطرة على سفَه طغيان الخديوي إسماعيل بإجراء تعديلات دستورية تعطي للبرلمان رقابة على أوجه صرفه لأموال دافع الضريبة، أحدقت البارجات البريطانية بمصر في عام 1882 وفرَض البريطانيون حلاً خاصاً بهم للمسألة تطفلوا به على سياسة مصر وماليتها لوقف نزيف الخديوي السفيه، وما أشبه الليلة بالبارحة عندما نرى دول الاتحاد الأوروبي ودولة أمريكا يدفعان بسياسات [جيوبلوتيكية] هدفها النهائي إنقاذ الحكومات الشمولية في منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي من الوحل، ويقفان خط احمر من سقوطها المريع بالرغم من فشلها السياسي والاقتصادي والأمني، وبالرغم من استمرارها في انتهاك حقوق الإنسان، وكل ذلك بدواعي ومحاربة الإرهاب والهجرة الغير شرعية والإتجار بالبشر.

غلاف كتاب عبد الله على إبراهيم

دول الغرب الاستعماري يخشون من تبديل الحكومات الشمولية بحكومات سياسات بديلة وطنية تتخذ منحى التطور اللارسمالي حتى لا تستطيع أن تتحدى سياسات البنك الدولي الهادفة إلي إعادة هيكلة إقتصاد دول المنطقة بتدخلها الغير مباشر. في القرن التاسع عشر في سياقاته التاريخية والاجتماعية المُختلفة كان يأتي الاستعمار بالبارجات والطائرات الحربية [ عينك في رأسك وغصباً عنك وباسم التعَمير كمان] يأتون بعلماءهم وشيوخ دينهم، ويتم الإحتلال العسكري ويقتلون قادة التحرر الوطني، يعقبه فرض الشروط الإقتصادية والثقافية، وبعدها يحددون مصالحهم الحيوية الإستراتجية بدقة، وفي الأخير ينتخبون صفوة كامبرودورية منبتة ترعى مصالحهم بعد الخروج الفيزيكلي من المجتمعات المُستعَمرة. لكن في سياق عصر العولمة يكفي مبررات ومسوغات محاربة الإرهاب مع حرية تحرك رؤوس الأموال في جعل النظم الإقتصادية في دول افريقيا والشرق الأوسط تابعة للغرب الاستعماري وتبقى اسعار مواردها الخام تحت رحمة رأس المال الغربي، ويساعدها في ذلك صفوة [ المنجمنت] المنبهر بالنموذج الغربي المُلطف بشورى العلماء وحلفاءهم من اعيان المدينة والريف ذوات الوعى الشقي في سرقة موارد وثمرات الفقراء الكادحين.
اما النموذج الثاني الذي استدل به عبداللّه في تثاقل الحداثة عن مجتمعات الأفارقة. هو اراء بازل ديفدسون[4] واستدل بها لرؤيته للحداثة المُتثاقلة واوضح كيف أجهض الغربُ حداثة أفريقا بالإستعِمار؟.
“فقد تساءل ديفدسون عما لو كان بوسع أفريقيا أن تلج الحداثة بغير حاجة إلي استعمار نذرت أروربا به أن تنزل الحداثة والتمدن بواسطة القوة الجبرية على بدائيّي العالم” [من يَخاف الحداثة؟، ص، 42].

قبل اجتياح الاستعمار في خواتيم القرن التاسع عشر كانت هم الصفوة الإفريقية تختلِج بشأن مستقبل بلدانها برؤية ثاقبة، ذكر عبداللّه “قد دعت النخبة المتعلمة تعليماً حديثاً بين شعب الفانتي في غانا المعاصرة إلي جمعية وطنية في 1867 وأجازت دستوراً آخى بين التحديث السياسي والتمسك بمنظومة تقاليدهم من الجهة الأخرى. ولم يطل فرح الفانتي بهذا التحديث إذ سرعان ما غزاهم البريطانيون وقتلوا مشروعهم الحداثي في المهد” [[من يَخاف الحداثة؟، ص، 42 و 43].

وقارن ديفدسون بين شعب الفانتي باليابان التي حدّثت نفسها بنفسها بدستور صدَر في نفس عام دستور شعب الفانتي، وهي متمسكة بالعروة الوثقى من استقلالها. واستنتج في التحليل النهائي رؤيته ” مما يسّر لليابان بلوغ الحداثة هو أنها لم تُستعمر بينما لاقت أفريقيا الأمَرَّين من استعمار أوربا”.[من يَخاف الحداثة؟ ، ص،43].
ويختم عبداللّه إطارات سياقاته التاريخية في إستدلالته بالحداثة المتثاقلة أو المستحيلة للمجتمعات العربية والأفريقية التي نشَدت الحداثة منذ القرن التاسع عشر: “إنّ الحداثة مشروع مستحيل أو في شبه استحالة، ونقول بهذا من باب التوكل لا من باب التهافت أو شقّ الجيوب. فنحن نريد أن نَخْلُص من هذا التقرير عن استحالة الحداثة إلي وعي أفضل بحاجتنا إليها وتمنّعها علينا وهو ما أسَميه [وعي الاستضعاف]. وهو وعي لا نبكّت به أنفسنا لمحنتنا مع الحداثة إلا بمقدار، بينما ننفذ بسلطان الفكر إلي استحالة الحداثة علينا بالوجوه التي استوفاها كلُّ من هودجسون وياب وديفدسون”. [من يَخاف الحداثة؟، ص، 44].

وبسبب عدم امتلاك العرب والمسلمين والأفارقة الوعي المتوكل باستحالة الحداثة في شرط الاستضعاف تفرّْقوا شيعاً مثل هلال الحداثة ومريخ الردّة عنها. وكان الغرب له القدّح المعلّى في تلبيس هذا الوعي الزائف الذي ينقسم في داخل المجتمعات التقليدية إلي شيعة مناصرة للحداثة وأخرى تكرهها كراهة التحريم.

هذا الحداثة المفروضَة داخل المجتمعات المُتخلفة بفعل الإستعمار اصبحت واقع تاريخي معاش يومي، وهذا الواقع هو نتاج مجموعة من العلاقات السُلطوية التي ترتبط بالضرورة والمعرفة والذات. هذه العلاقات السُلطوية بمعناها الفوكوي[5] قد تكون موجهة للأشخاص وقد تكون موجهة للمؤسسات على حد سواء. ولكن الحداثة المفروضة بآلة الإستعمار انتج تخلف مفروض داخل المجتمعات المستعَمرة وتلاشت الخيارات الاخرى أمامها وانقسمت [النُخبة] اسمع الدلع للبرجوازية الصغيرة في المجتمعات التقليدية إلي فئتين. فئة حداثية مُسلحة بالحداثة الغربية تلهث وراء الحداثة الإستعمارية وتجد لها مبررات ومسوغَات لتبرير أفعالها، وفئة اخرى حداثية مسلحة بالتراث تمانع الحوار والتواصل مع الأخر وتتشبث بهُوية عمياء.

لذا نشأت في المجتمعات المستعَمرة في مرحلة ما بعد استقلالها ثقافة عامة تظهر تعارضاً ظاهرياً بين أنصار الحداثة الغربية وبين أنصار التراث. او هلال الحداثة ومريخ الردّة عنها كما يقول عبد اللّه. حيث يتحرك الفئة الأولى بنزعة عقلانية مستندة على الوضعية العلمية في السياسية والثقافة والتاريخ والاجتماع حتى أصبحت عقلانيتها اداتية ينم عن إرادة قوة لم يتقدم لها مثيل، خالي من فعل التذات والتواصل مع الاخر. وسيطر العقل التقني على اغلب مفاصل الحياة لديها حتى أصبحت العقلانية ميتافيزيقيا يصعب نقدها او التشكك فيها. ويتحرك الفئة الثانية من نزعة تراثية سلفية تفكر في الموجود من حيث هو موجود أول وعلة أولى، تحددت الهُوية فيها على أساس العرق والدين حتى حادت عن الفهم الحقيقي للتراث واصبح عندها التراث ميتافيزيقا يوجه سلوكها السياسي والاجتماعي والثقافي. لذلك الحداثة والتراث كلاهما يستقيل عندهما التفكير، ويتجمد عندهما الزمان الذي يحياه الإنسان والمكان الذي يعيش فيه، ويعتل الجسد الذي يحيا به. ولضرورات إنتاج حداثة مغايرة لابد من التحرر من سلطتهما وميتافيزيقتهما المطلقة معاً، وذلك عبر تفكيك الكليّات المغلقة التي ينطويان عليها، ولابد من فضح وتفكيك النزعة المطلقية المتحكمة في نسيج الرؤية لديهما. وهذا مهمة إبستمولوجيا تقوم بالنقد المزدوج وتخضع كل المفاهيم للمساءلة والنقد حسب تعبير المفكر المغربي عبدالكبير الخطيبي، نقد مذدوج ينصبّ على النزعة التراثية المتعالية التي تسود في في بنيان المجتمعات الإقطاعية والتي تتحدد بمطلقيات القضاء والقدر وحكم اللاهوت والتفكير في الواحد وفي الموجود من حيث هو موجود أول وعلة أولى. كما ينصب النقد على النزعة العقلانية الميتافيزيقية التي جاء بها الفكر اللبيرالي الذي عرفته أوروبا خلال القرن الثامن عشر والتي استعاضت عن المطلبيات المتعالية الدينية بمطلقيات علمانية مثل الفرد والعقل التقنية الذي يحرك المجال السياسي والثقافي والاجتماعي الذي ينم عن إرادة قوة قاهرة للإنسان والطبيعة لم يتقدم لها مثيل، قائمة على الوضعية العلمية ومستندة عليها. بالرغم من التحوّل الإيديولوجي من التراث إلي العقلانية الأداتية الإ ان الأرضية الميتافيزيقة تظل هي هي[6].

عبداللّه في تحليله ينتقد ذهنية [الصفوة] المتعلمة التي تقف مع هلال الحداثة في المجتمعات التقليدية وخيبتهم في بلوغ الحداثة في سياق القرن التاسع عشر وينتقد بعض ابعادها، ويضيف بأن هناك مصير أفدح من القيء ينتظر المثقف الحداثي الذي لم يفطم نفسه من الوله بالغرب.
ولكن يتتاسى دور التراث ومريخ الردّة عن الحداثة في تثبيت التخلف. لذلك نقده كان ناقص وليس بالنقد المزدوج الشامل الذي نقصده.

عبد اللّه يناقض نفسه في تحليله للهيمنة الغربية: “إننا ربما أفرطنا في تحليل الغرب وأشكال هيمنته التاريخية [علينا] حين اكتفينا بالنظر إليه كإرسالية اقتصادية ولم نتأمل بكفاءة كون الغرب إرسالية ثقافية بحقّ وحقيق. وتركنا هذا الشق من هيمنة الغرب لذوى الدعوات الدينية فأوغلوا خطأ التشخيص” [من يَخاف الحداثة؟، ص 36]. [وضمير الجماعة عند عبد اللّه واسع يشمل الأفارقة والعرب والمسلمين]. هنا يظهر لنا كأن الغرب متجانس في دعواه الثقافية وليس فيه تناقضات داخلية رافضة للحداثة واخرى داعمة لها. عبد الله في هذا التحليل خذله منهج الانثربلوجيا الثقافية وستر عنه التناقضات الكبيرة داخل الغرب، التناقضات الثقافية والطبقية والإثنية، والجندرية، واللغوية والطائفية والوجدانية واخضع فكره لسيادة الهيمنة والجمود التاريخي عوض السؤال الأنطولوجي الناقد. المعروف للفاحص والناقد لتاريخ الغرب جيداً في العهد الذي كان فيه فكر التحديث والعقلانية سائراً في اجزاء كبيرة من اروبا كانت الادلوجة الثقافية السائدة هي الادلوجة الرومانسية وهي كانت بالتأكيد ضد الإرسالية الاقتصادية للغرب الاستعماري الذي جعل الاقتصاد في المجتمعات المستعَمرة تابعاً للغرب حتى لو أنتجت تنتج مواد خام تبقى أسعارها في التحليل النهائي تحت رحمة رأس المال الغربي. يناقض عبد اللّه تحليله السابق في مكان أخر: “الحركات الأصولية مثل بوكو حرام…لم تنبعث احتجاجاً على الحداثة، أو فرطها، بل احتجاجاً على نصيبها الشحيح منها…وعليه فاحتجاج هذه الحركات لا على الحداثة ذاتها بل هو ضدّ تعذر حصولهم عليها” [ من يَخاف الحداثة؟، ص31]. السؤال هنا من هي الحركات الأصولية التي أوغلت خطأ في التشخيص؟ ومن هي الحركات الأصولية التي احتجت على نصيبها الشحيح من الحداثة؟. نترك الإجابة لفطنة القارئ.

عبد اللّه في بعض تحليلاته يعاين للسياسي اكثر من الفكر ومناهجه ويفضح نفسه في تناقض صارخ عندما يحاول بكل عبث ان يلعب دور المثقّف المضاد الذي يقف على رأس حركة اجتماعية حداثية همها الأول هو شكم المثقف الحداثي الذي لم يفطم نفسه من الوله بالحداثة الغربية، ويحاول أن يحرف مسار الواقع التاريخ لكي يتماشي مع بعض تحليلاته الداعمة للإسلام السياسي: ” ظل المثقف الليبرالي العربي المسلم موضوع شفقة غربية كبيرة. وظلت هذه النخوة الغربية هي ضمانة مشروعيته “الأكيدة” وظل يستدرّ من هذه النخوة بلا رحمة. فيصور لها ما يسمونه” الإسلام السياسي الإحيائي كرَدّ فعل مأزوم لمن فشلوا في استحقاق الحداثة التي بشّر بها الغرب، وكمظهر من مظاهر ذهول العقل الجماعي هرباً من تحدياتها”.[من يَخاف الحداثة، ص30]. في هذا النقطة يتجاهل عبداللّه بقصد إنتهازية حركة البرجزة النابعة من الإسلام السياسي وتقاطعاتها الكثيرة مع مؤسسات الغرب في في الحقل الاقتصادي والسياسي في ظل سياسات العولمة الإقتصادية، الذي فرض الحداثة الغربية والتخلف معاً في واقع [إسلام السوق] وعبره استطاع الغرب الاستعماري إستثمار تراث المنطقة العربية والإسلامية والافريقية ما يكفي من اشكال ومبررات تسمح له بالعودة لسياسة التدخل المباشر للهيمنة على الموارد الإستراتجية، وفي نفس كذلك التدخل لمنع ظهور أية خيارات حداثوية أخرى ما عدا الخيار بين الحداثة الغربية الاستعمارية أو بديلها المحلي القامع باسم العادات والتقاليد. ومن هذا التصور الانثربولوجي يتناول منسا سارباه بسرور وهو من صفوة الفانتي الحديثة، لانه دافع بغير هوادة عن حداثة مُشربة بأفريقيا باعراف الافارقة وأزعجته القوانين والإجراءات التي سنّتها بريطانيا للمستعمرات وقال إنها منبتة الجذور عن أعراف الأفريقين. كأن الأفارقة موحدين نحو هذا الاعراف، وهذا الإعراف في وجهة الانثربلوجيا الثقافية ليست خاضعة لجدل التاريخ، وكأن داخل هذه المجتمعات قبل القوانين البريطانية لم يكن هناك فوارق إجتماعية وصراع بين طبقة مسيطرة وأخرى خاضعة.

عبداللّه في هذا المنحنى يتحاشى نقد البنية العرفية التراثية التي تنخر نسيج المجتمع المُتخلف ويكتفي بنقد الإجراءات والقوانيين البريطانية. السُلطة بمفهومها الواسع ليس خضوعاً للقانون كما يصوره المنظور الليبرالي وليس السُلطة بيد الطبقة المسيطرة على الدولة كما يصوره المنظور الماركسي بل هي إستراتيجية ليس ملكاً لأحد ومحايثة في نفس الوقت تنتشر في مفاصل المجتمع كلها وإجرائية تنعكس في إجراءات خفيفة ومعلنة في نفس الوقت. لذلك المجتمع التقليدي متعدد ومختلف في رؤاه الثقافية وإي محاولة لاختزال هذا المجتمعات ضمن هُوية ثابتة أو أصل خالص ما هو الإ محاولة لضمان السيادة الثقافية والايدولوجية للطبقات المهيمنة.

 

الهوامش:

(1) موريس بلانشو: كاتب وفيلسوف فرنسي، كانت لأعماله تأثيرا قويا على فلاسفة ما بعد البنيوية مثل ميشيل فوكو جيل دولوز وجاك دريدا.

(2) فرانز عمر فانون طبيب نفسانيّ وفيلسوف اجتماعي من مواليد فور دو فرانس جزر المارتنيك، عرف بنضاله من أجل الحرية وضد التمييز والعنصرية.

(3) مارشال جودين هودجسون: أكاديمي ومؤرخ في جامعة شيكاغو، قسم الدراسات الإسلامية.

(4) باسل دافيدسون: مؤرخ بريطاني له اهتمامات بتاريخ إفريقيا البرتغالية.

(5) ميشيل فوكو: فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين تأثر بالبنيويين ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه “تاريخ الجنون”, وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون. ابتكر مصطلح “أركيولوجية المعرفة”. أرّخ للجنس أيضاً من “حب الغلمان عند اليونان” وصولاً إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في “تاريخ الجنسانية”.

(6) عبد الكبير الخطيبي: روائي مغربي وعالم اجتماع، وأخصائي بالأدب المغاربي، لقد أفرز الخطيبي كتابة مغايرة داخل حقل السوسيولوجيا، هذه الكتابة لن تجد لذتها إلا بعد ممارسة النقد على الكتابة القديمة، وبلورة كتابة جديدة تقول بنقد مزدوج.

 

موسى إدريس عامر (إدبايور)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق